السيد كمال الحيدري

29

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

كان المرائي - كما هو ظاهر الحال - لا يقصد في ريائه عبادة الآخرين ، غير أنّ العمل العباديّ لا يصحّ أن يُقصد فيه إلّا الله تعالى ، فإن قُصِد في التوجّه شيء ما - وإن لم تُقصد عبادته - عُدّ ذلك الشيء شريكاً في العبادة ، وعُدّ عمله شركاً ، ولكنّه شركٌ في العبادة وليس شركاً في الذات أو الصفات . فإن قيل : إنّ الإنسان عادةً ما يقصد في عبادته نيل الجنّة والخلاص من النار ، وهذا الأمر لا يخلو من الغيريّة ؛ قلنا : هو كذلك ، ولكنّه لا يُعدّ رياءً ؛ فالرياء قصد الغيريّة في أمرٍ دنيويٍّ ، وفي طلب الجنّة والخلاص من النار قصد الغيريّة في أمرٍ أخرويٍّ . هذا من جهةٍ ، ومن جهةٍ أخرى : فإنّ قصد الجنّة في العبادات ليس مذموماً شرعاً ، وإن كان مثل هذه العبادة يعدّ عبادة التجّار كما جاء في الخبر « 1 » ؛ بيد أنّ ذلك ليس ممنوعاً شرعاً ، ولا يستلزم محذوراً كبيراً ؛

--> ( 1 ) روي عن أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) أنّه قال : « ما عبدتك طمعاً في جنّتك ، ولا خوفاً من نارك ، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك » . ( عوالي اللآلي ، لابن أبي جمهورٍ الأحسائيّ : ج 1 ، ص 404 ، ح 63 ) وقوله ( عليه السلام ) : « إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار » . ( نهج البلاغة ، للإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) : ج 4 ، ص 53 ) .